محمد بن جرير الطبري
87
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
رمضان وهو مجنون إلا أنه ممن لو كان صحيح العقل كان عليه صومه ، فلن ينقضي الشهر حتى صح وبرأ أو أفاق قبل انقضاء الشهر بيوم أو كثر من ذلك فإن عليه قضاء صوم الشهر كله سوى اليوم الذي صامه بعد إفاقته ، لأَنه ممن قد شهد الشهر قالوا : ولو دخل عليه شهر رمضان وهو مجنون فلم يفق حتى انقضى الشهر كله ثم أفاق لم يلزمه قضاء شيء منه ، لأَنه لم يكن ممن شهده مكلفا صومه . وهذا تأويل لا معنى له ، لأَن الجنون إن كان يسقط عمن كان به فرض الصوم من أجل فقد صاحبه عقله جميع الشهر فقد يجب أن يكون ذلك سبيل كل من فقد عقله جميع شهر الصوم . وقد أجمع الجميع على أن من فقد عقله جميع شهر الصوم بإغماء أو برسام ثم أفاق بعد انقضاء الشهر أن عليه قضاء الشهر كله ولم يخالف ذلك أحد يجوز الاعتراض به على الأَمة وإذا كان إجماعا فالواجب أن يكون سبيل كل من كان زائل العقل جميع شهر الصوم سبيل المغمى عليه . وإذا كان ذلك كذلك كان معلوما أن تأويل الآية غير الذي تأولها قائلوا هذه المقالة من أنه شهود الشهر أو بعضه مكلفا صومه . وإذا بطل ذلك فتأويل المتأول الذي زعم أن معناه : فمن شهد أوله مقيما حاضرا فعليه صوم جميعه أبطل وأفسد لتظاهر الأَخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج عام الفتح من المدينة في شهر رمضان بعد ما صام بعضه وأفطر وأمر أصحابه بالإِفطار . حدثنا هناد ، قال : ثنا أبو الأَحوص ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : " سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان من المدينة إلى مكة ، حتى إذا أتى عسفان نزل به ، فدعا بإناء فوضعه على يده ليراه الناس ، ثم شربه " . حدثنا ابن حميد وسفيان بن وكيع قالا : ثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه . حدثنا هناد ، ثنا عبيدة ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن طاوس ، عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه . حدثنا هناد وأبو كريب ، قالا : ثنا يونس بن بكير قال : ثنا ابن إسحاق ، قال حدثني الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس قال : مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره عام الفتح لعشر مضين من رمضان ، فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصام الناس معه ، حتى إذا أتى الكديد ما بين عسفان وأمج أفطر . حدثنا هناد وأبو كريب ، قالا : ثنا عبدة ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعشر أو لعشرين مضت من رمضان عام الفتح ، فصام حتى إذا كان بالكديد أفطر . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا سالم بن نوح ، قال : ثنا عمر بن عامر ، عن قتادة ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم لثمان عشرة مضت من رمضان ، فمنا الصائم ، ومنا المفطر ، فلم يعب المفطر على الصائم ، ولا الصائم على المفطر . فإذا كانا فاسدين هذان التأويلان فقال بعضهم : هو مقام المقيم في داره ، قال آخرون : يعني فمن شهده عاقلا بالغا مكلفا فليصمه بما عليه دللنا من فسادهما فتبين أن الصحيح من التأويل هو الثالث ، وهو قول من قال : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ جميع ما شهد منه مقيما ، ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر . القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يعني تعالى ذكره بذلك : ومن كان مريضا أو على سفر في الشهر فأفطر فعليه صيام عدة الأَيام التي أفطرها من أيام أخر غير أيام شهر رمضان . ثم اختلف أهل العلم في المرض الذي أباح الله معه الإِفطار وأوجب معه عده من أيام أخر فقال بعضهم : هو المرض الذي لا يطيق صاحبه معه القيام لصلاته . ذكر من قال ذلك : حدثنا معاذ بن شعبة البصري ، قال : ثنا شريك ، عن مغيره ، عن إبراهيم وإسماعيل بن مسلم ، عن الحسن أنه قال : إذا لم يستطع المريض أن يصلي قائما أفطر . حدثني يعقوب قال : ثنا هشيم ، عن مغيرة أو عبيدة ، عن إبراهيم في المريض إذا لم يستطع الصلاة قائما : فليفطر يعني في رمضان . حدثنا هناد ، قال : ثنا حفص بن غياث ، عن إسماعيل ، قال : سألت الحسن : متى يفطر الصائم ؟ قال : إذا جهده الصوم ، قال : إذا لم يستطع أن يصلي الفرائض كما أمر . وقال بعضهم : وهو كل مرض كان الأَغلب من أمر صاحبه بالصوم الزيادة في علته زيادة غير محتملة وذلك هو قول محمد بن إدريس الشافعي ، حدثنا بذلك عنه الربيع . وقال آخرون : وهو كل مرض يسمى مرضا . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا الحسن بن خالد الربعي ،